رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (114) لاهوت عصبى


images

كتب د. مراد وهبة 

الرأى عندى أن حركة الاصلاح الدينى فى القرن السادس عشر كانت تعنى عند لوثر «الفحص الحر للانجيل»، أى تأويل النص الدينى من غير معونة من سلطة دينية تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، ومن ثم تمتنع الدوجماطيقية التى تعنى توهم امتلاكها، ومع امتناعها لا يحق لأحد أن يتهم غيره بالالحاد. وإثر انطلاق هذه الحركة تعددت المدارس اللاهوتية إلى الحد الذى أفضى إلى نشأة علم لاهوت علمانى فى النصف الثانى من القرن العشرين. ففى عام 1965 صدر كتاب لهارفى كوكس عنوانه «المدينة العلمانية» دار عليه جدل حاد صدر فى كتاب عنوانه «جدل حول المدينة العلمانية» (1966). والعلمانية، عند كوكس، تعنى انتقال المسئولية من السلطة الكنسية إلى السلطة السياسية. وتأسيساً على ذلك يميز كوكس بين الانسان العلمانى والانسان ما قبل العلمانى.

الانسان ما قبل العلمانى يحيا فى عالم من الأرواح الخيرة والشريرة، والواقع عنده مشحون بقوة سحرية إما نافعة أو ضارة. والسحر، هنا، رؤية كونية، فالأديان السومرية والمصرية الفرعونية والبابلية ليست إلا شكلاً من أشكال السحر التى توحَّد بين الانسان والكون.

أما الانسان العلمانى فقد نشأ، عند كوكس، مع بداية الديانة اليهودية حيث انفصلت الطبيعة عن الله، وانفصل الانسان عن الطبيعة. وهذا التحرر للطبيعة هو شرط أساسى لتطور العلم الطبيعى، وشرط أساسى لنشأة الثقافة العلمية. ولهذا فإن استيراد التكنولوجيا ليس كافياً لرفع التخلف عن الثقافة، إذ لابد للثقافة من أن تكون علمية. ولهذا فلا أحد يحكم بالحق الإلهى فى المجتمع العلمانى.

ولم يقف أمر اللاهوت العلمانى عند حد التفرقة بين ما هو علمانى وما هو قبل علمانى بل امتد إلى إعادة النظر فى مفهوم الله. ففى عام 1963 صدر كتاب للأسقف روبنسون عنوانه «كن أميناً لله» جاء فى مفتتحه أن الانجيل يتحدث عن «الله موجود فوق»، وعن كَوْن ذى ثلاث طبقات: السماء فوق والأرض تحت، والمياه تحت الأرض. أما فى عصر الفضاء فهذا «الموجود فوق» فى طريقه إلى الانزواء. ولهذا لابد من تغيير هذه المفاهيم إذ لم يعد الله مفارقاً بل محايثاً، بمعنى أنه ليس فى السماء إنما هو فى العمق.

وفى عام 1966 نشر اللاهوتيان توماس ألتيزر ووليم هاملتون كتاباً عنوانه «اللاهوت الراديكالى وموت الله». وما يقصدانه هو أن الله مات فى زماننا، وفى تاريخنا وفى وجودنا. وفى رأى ألتيزر أن المفهوم التقليدى عن الله من حيث إنه منفصل عن الكون المخلوق هو مفهوم مؤقت لأنه مجرد إسقاط للاغتراب الذى يعانى منه الانسان. وقد آن الأوان لتجاوز هذا الاغتراب.

أما هاملتون فيرى أن موت الله ليس حادثاً لحظياً، إنما هو حادث تاريخى وثقافى حدث فى أوروبا وأمريكا فى القرنين الأخيرين. وبديلاً عن هذا الموت يوصى هاملتون بقبول العالم العلمانى على أنه تطهير للفكر من الصيغ المسيحية التقليدية. ومع ذلك كله فقد كانت العلمانية موضع مقاومة من الأصولية المسيحية.

أما فى العالم الاسلامى فقد بزغت الأصولية الاسلامية وتحكمت فيه دون مقاومة من العلمانية لأنها كانت غائبة. وحتى حين أصبح النظام التركى نظاماً علمانياً إثر إلغاء الخلافة الاسلامية فى عام 1924 فقد جاء أردوغان وألغى ذلك النظام.

ولم تقف التنويعات العلمانية عند حد اللاهوتيين بل تجاوزتهم إلى العلماء، وخاصة علماء فسيولوجيا المخ، ومنهم ديك سواب فى كتابه المعنون «هويتنا فى أمخاخنا» (2014). هو عالم متخصص فى علم الخلايا العصبية، وكان مديراً للمعهد الهولندى لأبحاث المخ لمدة سبعة وعشرين عاماً. وميزة هذا الكتاب أن كل فصل من فصوله العشرين يمكن أن يقرأ على حدة. واللافت للانتباه الفصل الخامس عشر المعنون «لاهوت عصبى: المخ والدين». وفى مفتتحه يقول: إن أهم سؤال مثير للانتباه ليس هو التساؤل عما إذا كان الله موجوداً إنما التساؤل عن سبب وجود كثرة من البشر متدينة. فلدينا عشرة آلاف دين، وكل دين يعتقد أنه هو وحده المالك لحقيقة واحدة. ومع ذلك فثمة دراسة صدرت فى ابريل 2007 تقول إنه فى خلال أربعين عاما ازدادت نسبة العلمانية من 30% إلى 61%، وأن أغلب الحاصلين على جائزة نوبل غير متدينين. ومع ذلك فإن سواب يتحدث عن المخ المتدين إذ يقول إن التجارب الروحية تسبب تغيرات فى نشاط المخ، الأمر الذى يترتب عليه زيادة فهمنا لأبنية المخ وأنسقته التى بدورها تؤدى دوراً فى بزوغ الخبرة الدينية السوية والخبرة الدينية المريضة، وفى صعوبة التفرقة بينهما. أما إذا أردنا التفرقة فيلزم الانتباه إلى علاقة الثقافة بالتدين. فما تراه ثقافة هذيانا دينيا تراه ثقافة أخرى رؤى دينية سوية. ومن هنا يرى سواب أنه من الأفضل أن توظف الروحانيات فى الفن والعلم على أن توظف فى تطعيم عقول الأطفال بالدين. ومن هنا أيضاً يقول سواب إن الاضطرابات فى الخلايا العصبية للمخ قد تسبب الاصابة بمرض الهوس الدينى. وينتهى سواب من كل ذلك إلى القول بأن ما يشكل المخ هو الذى يحدد مسلكه: هويتنا فى أمخاخنا. بل إن سواب يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول بأن ما يميزنا يتحدد فى زمن الرحم ولكن ليس معنى ذلك أن أمخاخنا تكون «كاملة» يوم أن نولد. إذ المخ يواصل بعد ذلك تطوره. أما أنا فأقول إن مخ الطفل يولد كاملاً ولكنه عاجز عن النطق دون أن يكون عاجزاً عن الفهم. ودليلى على ذلك أن الطفل منذ الولادة يفهم لغة هو يجهلها.وهذا هو سبب تطوره.

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (113) مصر والإرهاب الكوكبى


download

كتب د.مراد وهبة

قرأت خبرا كوكبيا فى جريدة «المصرى اليوم» بتاريخ 6/2/2016 مفاده أن مصر تسلمت رسمياً «لجنة مكافحة الارهاب» بمجلس الأمن الدولى فى اجتماعها بنيويورك بحضور مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة السفير عمرو أبو العطا الذى عرض رؤيته على النحو الآتى: مكافحة تمويل الارهاب، والتصدى لظاهرة قيام التنظيمات الارهابية بتجنيد مقاتلين وارسالهم للدول المختلفة. ثم استطرد قائلاً: «إن منهجنا فى مكافحة الارهاب هو منهج عملى، الغاية منه تحديد التدابير الملموسة ذات الصلة بمكافحة الارهاب».

والجدير بالتنويه أن أعضاء مجلس الأمن اختاروا مصر بالاجماع لرئاسة اللجنة التى أنشئت إثر أحداث 11/9.

والسؤال اذن: لماذا يكون الحادث الارهابى الذى وقع فى 11/9 بنيويورك وتكون مصر هى رئيسة اللجنة المكلفة بمكافحة الارهاب؟

أغلب الظن أن الجواب يكمن فى أن مصر هى مصدر الارهاب، وبالتالى تكون أوْلى من غيرها فى مكافحة الارهاب كوكبيا، ذلك أن الذين كلفوا بتدمير مركز التجارة العالمى بنيويورك هم أعضاء من الاخوان المسلمين التى تأسست فى عام 1928 وأنشأت قسماً خاصاً للاتصال بالعالم الاسلامى لنشر الدعوة.

وعندما قامت ثورة 23 يوليو أفرج الضباط الأحرار عن المعتقلين من الاخوان المسلمين، وعندما صدر قانون حل الأحزاب فى 17/1/ 1953 طٌبق على الجميع باستثناء الاخوان المسلمين بدعوى أنهم جماعة وليسوا حزباً. والجدير بالتنويه أن عبد الناصر شخصياً قبل الثورة هو الذى كان يعطيهم السلاح ويدربهم عسكرياً لارسالهم إلى فلسطين للاشتراك فى حرب 1948. ومع ذلك فقد حاول عضو بالجماعة اغتيال عبد الناصر بأن أطلق عليه رصاصات فى 26 أكتوبر 1954، إلا أن عبد الناصر لم يصب بشىء.

وفى عام 1964 صدر كتاب سيد قطب المعنون “ معالم فى الطريق”. وفيه الحاكمية الفكرة المحورية التى تعنى أن يكون كوكب الأرض محكوماً بسلطة اسلامية لا تنازعها أية سلطة أخرى ليتم الانتقال من الجاهلية إلى الاسلام، وأن تصبح الحياة كلها تطبيقاً للاسلام ومن ثم يعود البشر إلى حكم الله، وأن كل مَنْ ينازع حق الله فى الحاكمية وفى تنحية شريعة الله لتكون جهة أخرى غير الله هى مصدر السلطة فانه يُتهم فى البداية بالكفر، وإذا عاند فانه فى النهاية يحكم عليه بالقتل.

وتأسيساً على مفهوم الحاكمية عُقد مؤتمر للجمعيات والجماعات الإسلامية برئاسة فضيلة الامام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود الذى كان قد أصدر بياناً جاء فيه “ أن كل التشريعات وكل الأحكام التى تتعارض مع الاسلام تعتبر زائفة”. وإثر انتهاء المؤتمر بدأ مجلس الدولة فى إعداد مشروع القانون.

ويترتب على ذلك كله أسلمة كوكب الأرض استناداً إلى أصولية إسلامية والارهاب أعلى مراحلها، وتكون جماعة الاخوان المسلمين هى الداعية إلى هذه الأسلمة. ومن هنا يكون قول السفير عمرو أبو العطا بأن منهجه عملى فى مكافحة الارهاب فى حاجة إلى إعادة نظر من حيث إن هذا المنهج ينبغى أن يسبقه تأصيل نظرى لكى يكون دليلاً ومرشداً، ومن غير ذلك فإن القول بمكافحة الارهاب مجرد شعار. وإذا قيل رداً على ذلك بأن مسألة الارهاب الكوكبى لا تحتمل إضاعة الوقت فى التنظير فإن هذا القول لن يكون إلا مجرد تغطية على العجز فى التنظير.

وإذا كان التنظير ضرورياً فثمة أسئلة الاجابة عنها تعتبر مقدمات ضرورية لكل مَنْ يريد القضاء على الارهاب: هل الاخوان المسلمون جزء من التراث أم هل هم التراث؟ وفى صياغة أخرى: إذا كان فكر ابن تيمية هو تراثهم فهل يمكن اعتبار فكر ابن رشد تراثاً مغايراً يمكن الاستعانة به بديلاً عن تراث ابن تيمية؟

إذا كان جواب الاخوان المسلمين أنهم جزء من التراث فيلزم أن ينصتوا إلى الجزء الآخر ويدخلوا معه فى حوار ينتهى بهم بالضرورة إلى أن تفكيرهم نسبى، ومن ثم يكونون ملزمين بتبنى الفكر العلمانى الذى يقف عند حد ما هو نسبى ولا يتجاوزه إلى ما هو مطلق من غير نفيه ولكن أيضاً من غير قنصه.

أما إذا كان جواب الاخوان المسلمين أنهم هم التراث فإنهم فى هذه الحالة يكونون ملاكاً للحقيقة المطلقة، ومن ثم ينتهون إلى اشعال الارهاب. وعندئذ يثور السؤال العملى: كيف يكون التعامل معهم؟ هل يكون التعامل معهم محصوراً بين أن نكون أو لا نكون؟ وإذا كان ذلك كذلك يكون هذا السؤال هو سؤال عن مصير البشرية على كوكب الأرض. وإذا لم يكن كذلك فهل يمكن التعايش بين الذين يملكون الحقيقة المطلقة وبين الذين لا يملكونها؟ أو فى صياغة أخرى: هل يمكن التعايش بين المطلق والنسبى؟ تاريخياً الجواب بالنفى. وفى هذا المعنى يمكن تذكر ما حدث فى ايران فى عام 1951 عندما قُتل رئيس وزراء الشاه رزم آراه من قبل عضو فى «فدائيان اسلام» عندما أصدر آية الله كاشانى الزعيم الروحى فى زمانه بياناً جاء فيه «أن الرصاصات التى قتلت رزم آراه كانت مصحوبة بتوفيق الله». ومعنى ذلك أن القتل باسم الله مشروع ولازم.

وثمة مقدمات أخرى ضرورية عندما أثار السفير عمرو أبو العطا مكافحة تمويل الارهاب وهى أن ثمة علاقة عضوية بين الأصولية الاسلامية والرأسمالية الطفيلية التى تتاجر فى غير المشروع مثل الاتجار فى المخدرات، وأن هذه الرأسمالية قد تغلغلت هى والأصولية فى مؤسسات الدول بحيث تشابكت مع الرأسمالية العالمية.

والسؤال اذن: كيف نجهز على الرأسمالية الطفيلية وهى فى حالة تشابك مع الرأسمالية العالمية؟

والمفارقة بعد ذلك هى أن الارهاب كوكبى ومصر هى المصدر ومكافحته فى مكان آخر غير مصر!!

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (112) حياة بلا موت


 download
 كتب مراد وهبة

عنوان هذا المقال كان عنواناً لبحث ألقيته فى بداية هذا القرن فى مؤتمر بتونس تحت عنوان «ما الحياة؟» وفى حضور فرنر أربر الحاصل على جائزة نوبل فى الطب، وريمون دوديل رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون والآداب وصلاح الدين فطوم بكلية الطب بتونس.

وأظن أولاً أن السؤال عن الحياة هو سؤال هذا القرن بسبب شيوع الارهاب الأصولى القاتل للحياة.

وأظن ثانياً أن الانشغال بمعرفة أصل الحياة على كوكب الأرض وليس خارجه قد بدأ علمياً مع دارون. فقد عرض نظريته عن أصل الحياة فى كتابه « أصل الأنواع» ومفادها أن الأحياء تطورت عن أصل واحد حى يُفسر تكاثرها وتنوعها بقانون الانتخاب الطبيعى أو بقاء الأصلح وهو القانون اللازم من تنازع البقاء.

وأظن ثالثاً أن التمهيد لهذا السؤال ورد فى منتصف القرن العشرين لدى الفزيائى النمساوى الحاصل على جائزة نوبل فى الطب ارون شرودنجر عن أهم مؤلفاته وعنوانه «ما الحياة؟» الذى صدر منه ثمانى عشرة طبعة، وفيه يربط بين الفزياء وعلم البيولوجيا، أى بين المادة والحياة. كما ورد لدى فرانسوا جاكوب الطبيب الفرنسى الحائز على جائزة نوبل فى الطب. وهو مشهور بكتابه المعنون « منطق الحياة» وقد صدرت منه سبع طبعات. فكرته المحورية أن الحياة عملية متواصلة لا تقف عند حد تذكر الماضى بل تتجه أيضا إلى المستقبل، والجهاز العصبى من حيث إنه أداة التنسيق بين سلوك الخلايا المتباينة أصبح قادراً على اختراع مستقبل يحتوى على الموت وعلى ما بعد الموت ومن ثم يحدث حوار بين ما هو واقعى وما هو ممكن استناداً إلى عقل قادر على التمييز بين الحلم والواقع ولكنه أيضا قادر على التعامل معهما بشرط أن يكون الأمل هو الذى يعطى معنى للحياة. وهنا يختتم جاكوب كتابه بعبارة قالها الأديب الفرنسى تريستان برنارد عندما قبض عليه وعلى زوجته جستابو هتلر: « لقد انتهى زمن الخوف والآن جاء زمن الأمل».

وتأسيساً على ذلك يمكن القول إنه لم يعد ينظر إلى المنظومة الحية على أنها جملة أعضاء ووظائف أعضاء، إنما على أنها رسالة ضد التفكك، أى ضد الموت. والاتزان هو العملية التى بفضلها تقاوم المنظومة الموت. بيد أن هذا الاتزان لا يتم بمعزل عن البيئة. فثمة علاقة جدلية، أى علاقة وحدة مع الصراع، بين المنظومة الحية والبيئة. ولهذا فعلى المنظومة التفاهم معها. إلا أن هذا التفاهم لا يستلزم المعرفة فحسب بل يستلزم وحدة المعرفة فتتداخل علوم الحياة مع علوم البيئة. وأى اختلال فى هذا التفاهم من شأنه أن يفضى إلى المرض، ذلك أن المرض يعنى أن الانسان ليس على مايرام. واللفظ الانجليزى diseased

أى مريض مكون من مقطعين dis و eased وهما معاً يعنيان «عدم الراحة». وحيث إن المرض ضد الصحة فالصحة اذن تستلزم وحدة المعرفة. واللفظ الانجليزى يدلنا على ذلك. فلفظ health يعنى الصحة وهو مشتق من اللفظ الانجلوسكسونى hal ومعناه whole أى الكل. ولذلك يقال to be made whole ومعناه أن يكون كلاَ، ومن ثم تكون مهمة الطبيب سؤال المريض عن هويته قبل سؤاله عن هوية مرضه. فيسأله أولاً: مَنْ أنت؟ قبل أن يسأله: مم تعانى؟ ولا أدل على ذلك من تعريفنا لمرض السرطان بأنه نتوء فى أسلوب الحياة. وتفصيل هذا التعريف على النحو الآتى:

السرطان ليس ورماً يبزغ بلا مقدمات فى جسم سليم.

والسؤال اذن:

ما هى مقدمات هذا الورم؟

إن ثمة مقدمات ينبغى استبعادها، وهى مقدمات تتسم بتفكير تقليدى آلى عن نشأة أى مرض. فالمرض فى ضوء هذا اللون من التفكير هو ثمرة عامل محدد وهو إما بكتيريا أو فيروس أو نقص فى الهرمونات. والطب الحديث يعتمد هذا التعليل فى نشأة السرطان مع إضافة أسباب سيكوسوماتية، أى أسباب نفسية جسمية، تذهب إلى أن العوامل النفسية قد تفسد الاتزان الهرمونى للكائن الحى، أو تضعف آليات المناعة، أو إضافة أسباب بيوكيميائية مثل نقص الأكسجين.

ومع ذلك يظل السؤال العمدة قائماً:

ما السبب؟

إذا كان هو الفيروس فكيف نشأ؟

وإذا كان أعمق منه كأن يكون كيميائياً فما هو؟

وإذا كانت الانفعالات فكيف تولد السرطان؟

وإذا كان ثمة علاقة بين هذه الأسباب والسرطان فتحول الخلية السليمة إلى خلية سرطانية مازال مجهولاً؟

وإذا كانت معرفة السبب معضلة فذلك مردود إلى أن الطب ينظر إلى الورم السرطانى لا على أنه عرض لمرض ولكن على أنه المرض ذاته. وفى هذه الحالة ليس أمام الطبيب سوى بتر الورم بالجراحة أو تدميره بالكيماويات. ومع ذلك فاحتمال عودته مرة أخرى أمر وارد.

والسؤال اذن:

كيف تتحول الخلية السليمة إلى خلية سرطانية؟

جواب هذا السؤال مشتق من معرفة خاصية الخلية السرطانية. وهذه الخاصية تكمن فى أنها قد حصلت على طاقة حيوية تجاوزت الحد السوى فتختل عدالة توزيع الطاقة الحيوية فنكون لدينا خلية ثرية بالطاقة الحيوية وخلية فقيرة من هذه الطاقة فتأكل الأولى الثانية بأسلوب وحشى، ومن ثم يمكن أن يقال على الخلية السرطانية إنها خلية تتارية تدمر الحياة ذاتها على غرار تدمير التتار للحضارة، وبالتالى فإن السبب الذى يسمح ببزوغ التتار هو الذى يسمح ببزوغ الخلية السرطانية. فإذا كان سبب نشوء التتار رفض الحضارة فسبب نشوء السرطان رفض الحضارة أيضاً، أو بالأدق رفض شهوة الحياة. السرطان اذن كامن فى فلسفة الحياة وليس فى فسيولوجيا الحياة. وإذا استقامت فلسفة الحياة مع الحياة استمرت الحياة بلا نهاية.

برجسون بينى وبين الكسم (73)


إشكالية الحداثة فى زمن الكوكبية

كتب د.مراد هبة

استعنت بـ«برجسون» كما استعان به بديع الكسم مع فارق جوهرى فى الاستعانة، فـ«الكسم» استعان به تأسيساً لحزب البعث فى مواجهة تأسيس أحمد ميشيل عفلق. فـ«عفلق» ارتأى أن يكون الإسلام هو الأساس، أما بديع فقد ارتأى أن تكون روحانية برجسون هى الأساس. وهذه الروحانية هى رؤية صوفية انتهى إليها برجسون فى مواجهة تمادى العلم فى تفسير الأشياء بالمادة، وبالتالى أصبحت الغاية الرئيسية للحياة هى أن ينصرف الفرد إلى تنمية قدرته المادية، لأن الحياة ليست إلا متعة حسية يقدمها العمل، والعمل لا يقوم إلا بالعلم، والعلم المقصود هو العلم الآلى المادى. وفى هذا المعنى قيل عن برجسون إنه العدو الأول للشيوعية.

والسؤال إذن:

لماذا يُقال عن برجسون إنه كذلك؟

لأن هذا الذى يقوله برجسون هو محور فلسفته، الواردة فى كتابه المعنون: «منبعا الأخلاق والدين» الذى نشره فى عام 1932، وفى هذا المعنى صدر كتاب جون فوستر دالاس، وزير خارجية أمريكا الأسبق، والمعنون «حرب أم سلام» والذى نشره فى عام 1950، وفيه يدعو لتكتيل القوة الروحانية الكامنة فى جميع الأديان للإطاحة بالحزب الشيوعى السوفييتى، العدو الأساسى لأمريكا. وفى هذا المعنى للمرة الثانية، يعتبر حزب البعث ومؤسسه أحمد ميشيل عفلق يدخل فى علاقة عضوية مع أمريكا ضد السوفييت. وفى هذا المعنى للمرة الثالثة، يكون المؤسس المضاد لـ«عفلق» وحزبه- وهو بديع الكسم- غير صالح لتحقيق غاية دالاس، لأنه بحكم فلسفته لا يفاضل بين مذهب وآخر، وبالتالى فإن فكرة «العدو» غائبة.

أما أنا فقد انشغلت بقراءة مؤلفات برجسون منذ أن كنت طالباً فى السنة الثانية بقسم الفلسفة بكلية الآداب (1944-1947). وكان من شأن هذا الانشغال أن أصبح برجسون موضوعا لنَيْل درجة الدكتوراه فى عام 1959. وكان الرأى عندى أن مذهب برجسون يستند إلى فكرة الحركة الدائرية اللولبية على نحو ما يراها إنجلز، مُنَظِّر الثورة الشيوعية، ومن هنا حدث التباس فى فهم موقفى السياسى، فقد قيل إننى يمينى بورجوازى عدو الشيوعية، وقيل أيضا إننى يسارى، لأننى استعنت بمفهوم الحركة الدائرية اللولبية لـ«إنجلز». وحاصل الأمر أننى فى حينها لم أكن ملتزماً إلا بالأسلوب الأكاديمى. ولكن مع سرعة التغيير فى الستينيات تغيرت وجهة نظرى، إذ دخلت السياسة فى علاقة عضوية مع الفلسفة وتجاوزت روحانية برجسون وتلاحمت مع اليسار الماركسى فى مجلة «الطليعة»، ولكن كان همى مُنصباً على التنوير لإنقاذ العقل المصرى من «السُبات الدوجماطيقى»، أى من النوم الذى يُريح الإنسان من التساؤل، ومع الارتكاز على مطلق أيا كانت سمته الدينية، ومن ثَمَّ أسست ملحقاً بمجلة الطليعة عنوانه «الفلسفة والعلم». وبعد ذلك انفتح أمامى عالم جديد ينطوى على فلسفة وعلم وسياسة، ومعه تطورت أفكارى، فاصطدمت وصُدمت مرتين: فى المرة الأولى فصلنى الرئيس السادات، بدعوى أننى أخطر أستاذ فى الجامعات المصرية على النظام الاجتماعى. وفى المرة الثانية عزلنى المثقفون المصريون والعرب، بدعوى أننى خرجت على «الإجماع» عندما ذهبت إلى إسرائيل مع «جماعة كوبنهاجن من أجل السلام». وأصبح الفارق بينى وبين بديع الكسم فى أنه قد أصابه اليأس، أما أنا فقد أصبحت الوحيد المتحدث باسم جماعة كوبنهاجن. وعندما ذهبت إلى العراق للالتقاء بمستشارى صدام حسين، حدث حوار مع مستشاره الصحفى محسن خليل، ودار حول رأيى فى تحجيم التيار القومى واعتراضه على ذلك الرأى.

وقبيل سفرى إلى القاهرة، أخبرته بأننى أنوى كتابة مقال، فماذا كان عنوانه؟

صدام وخومينى (74)


الفيلسوف المصرى د. مراد وهبه

كتب د.مراد وهبة

قبيل مغادرتى بغداد فى يونيو 1990 إثر انتهاء الحوار بين هيئة تحرير مجلة «المنار» ومستشارى الرئيس صدام حسين أخبرت المستشار الصحفى محسن خليل بأننى أنوى كتابة مقال عنوانه الرئيسى «حوار بين صدام حسين وخومينى» وعنوانه الفرعى «حوار بين علمانى وأصولى» وهو حوار متخيل. ثم طلبت منه أن يعرض الفكرة على الرئيس صدام حسين فإذا وافق فبها ونعمت وإن لم يوافق فكأن شيئاً لم يكن. وفى صباح اليوم التالى تسلمت من رئاسة الجمهورية مؤلفات الرئيس صدام حسين وهى تتجاوز الثلاثين. ومعنى ذلك الموافقة.

والسؤال إذن:

ما هو الطارئ الذى استجد؟

تلفن متحدث من العراق وقال: أنت مدعو لحضور الاحتفال بثورة 14 يوليو، وسنتخذ الإجراءات اللازمة فرحبت.

ثم تلفن المتحدث بعد أيام وقال:

لقد أُلغى الاحتفال وبالتالى أُلغيت الدعوة.

قلت: شكراً. وانتهت المكالمة.

ماذا حدث؟

اجتماع مفاجئ بين الرئيس صدام حسين ووفد من ممثلى جماعة الإخوان المسلمين المصرية تم فيه الاتفاق على توحيد «هوية النضال» بأن تكون «هوية عربية إسلامية». أما إذا حدث تصادم بين العروبة والإسلام فالاختيار لن يكون إلا للإسلام. وعندئذ رد الرئيس قائلاً: «إن الإخوان هم درع الأمة، وأن دعوتهم هى أمانة فى عنق كل مسلم».

وفى 1990/8/2 استولى صدام حسين على الكويت وكان فى طريقه إلى الاستيلاء على المملكة العربية السعودية ولكنه لم يتمكن.

وفى 4/8/ 1990 رحلت إلى بروكسل للمشاركة فى مؤتمر دولى ينعقد فى 1990/8/5. وفى 9/8 التقانى خمسة من كبار المشاركين لجراء حوار محدود حول الذى حدث فى 2/8 بغزو صدام حسين للكويت. وكان سؤالهم الرئيسى: هل فى الإمكان فهم مغزى ذلك الغزو؟

وكان موجز جوابى على النحو الآتى:

إن ثمة تناقضاً حاداً بين العالم الإسلامى والغرب. وإذا كان هذا النوع من التناقض يعنى إقصاء أحد الطرفين فإن العالم الإسلامى يريد إقصاء الغرب الذى هو فى رأيه ملحد ومن ثم مدمر للدين، أو هو بالأدق علمانى، وأن المضاد الحيوى للعلمانية، فى رأى العالم الإسلامى، هو ابن تيمية الذى يدعو إلى إبطال إعمال العقل فى فهم النص الدينى بدعوى أنه حسى ومن ثم فإنه لا يقبل التأويل الذى هو، فى رأيه، بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار، ومن ثم فإن المؤول كافر ويستحق القتل. ثم استطردت قائلا: وفى رأيى أن المضاد الحيوى لفكر ابن تيمية هو فكر ابن رشد الفيلسوف الإسلامى العظيم الذى كُفر وأحرقت مؤلفاته وظل هامشياً فى الحضارة الإسلامية منذ نهاية القرن الثانى عشر حتى الآن. ومن هنا اتفقنا على ضرورة عقد مؤتمر دولى فى القاهرة تحت عنوان «ابن رشد والتنوير». وعندما عرضنا الفكرة على أعضاء المؤتمر فى اجتماعهم الختامى تمت الموافقة بلا تردد.

وفى عام 1993 قررت الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية، التى أشرف بتأسيسها ورئاستها، فى اجتماعها فى موسكو، أثناء انعقاد المؤتمر العالمى للفلسفة، انعقاد مؤتمرها الفلسفى الدولى الخامس فى عام 1994 فى القاهرة تحت عنوان «ابن رشد والتنوير»، وقد كان.

إلى هنا أتوقف عن مواصلة الحديث عن الصراع الذى تولد من جراء الآثار التى ترتبت على انعقاد ذلك المؤتمر وأعود إلى النص الذى هو كتاب «موردخاى بار- أون» وعنوانه «بحثاً عن السلام».

من أجل حوار مبدع


مراد و وهبة 

كتب د. مراد وهبة

تسلمت بالبريد الإلكترونى رسالة من الأستاذ محمد أبو الفضل المشرف على صفحات الرأى بجريدة الأهرام يطلب فيها قراءة مقال للدكتورة نوال السعداوى تعليقاً على مقالى المنشور بنفس الجريدة تحت عنوان «مصير الإنسان على كوكب الأرض»، وعلى أن ينشر المقالان فى وقت واحد. والغاية من ردى، فى رأيه، التركيز على زاوية فكرية أراها مناسبة لفتح الباب لحوار ثرى من أجل تجديد الفكر.

وأنا بدورى أستجيب لهذا المطلب لأن الغاية المطلوب تحقيقها هى الغاية ذاتها التى دفعتنى إلى الموافقة على الكتابة فى جريدة الأهرام إثر قيام ثورة 25 يناير. وفى هذا السياق افتتحت الدكتورة نوال السعداوى مقالها بقولها إن مقالى يشجع على التفكير خارج المنهج المدرسى التقليدى مما يؤدى إلى تجديد الفكر بصفة عامة والفكر الدينى بصفة خاصة.

والسؤال إذن: ماذا يعنى تجديد الفكر الدينى؟

إنه بالسلب لا يعنى حذفه، وبالإيجاب يعنى أن ثمة فكراً دينياً مطلوبا تطعيمه برؤية مغايرة لرؤية تقليدية. وأظن أن الرؤية التقليدية للفكر الدينى تدور حول إعلان حقيقة مطلقة أو معتقد مطلق يطلب من المؤمن أن يلتزم بها أو به. وإذا انتقدها أو انتقده فتكفيره أمر لازم كحد أدنى وقتله إذا لزم الأمر كحد أقصى. واللافت للانتباه فى هذا القرن هو شيوع التكفير والقتل باسم الله على مستوى كوكب الأرض. وهذا هو مغزى الإرهاب الكوكبى الذى يستند إلى رؤية أصولية دينية تعتبر عدوها المحورى هو العلمانية. ولهذا فالمطلوب فى الحوار القادم الاهتمام بتحليل ونقد الرؤية الأصولية. ولا أدل على ضرورة هذا الاهتمام من أن الأكاديمية الأمريكية للعلوم والآداب قررت فى عام 1988 منح جامعة شيكاغو مليونين ونصف المليون دولار لإصدار خمسة مجلدات عن الأصوليات الدينية ودورها فى مختلف مجالات الحياة تحت عنوان المشروع الأصولى.

والمفارقة هنا أن المثقفين فى الدول العربية والإسلامية قد تجاهلوا قراءة هذه المجلدات. ومع ذلك فقد كنت أرغب فى أن تصدر الأكاديمية الأمريكية قراراً آخر بإصدار مجلدات أخرى عن العلمانية باعتبار أنها نقيض الأصولية، وباعتبار آخر وهو أن الصراع فى هذا القرن لن يكون إلا صراعاً بين الأصولية والعلمانية شئنا أو لم نشأ.

والجدير بالتنويه هنا هو نقد الدكتورة نوال السعداوى لعبارة وردت فى مقالى وهى أن الشائع فى هذا القرن هو «تذوق الموت دون تذوق الحياة» وأنا أريد أن تكون العبارة على العند من ذلك ومن هنا افتتحت مقالى باتفاقية تغيير المناخ الكوكبى التى أبرمت فى باريس فى 13/9/2015 والغاية منها منع موت الإنسان نهائياً على كوكب الأرض. ومن هنا جاء تنويهى بالتطور العلمى المعاصر الذى يريد إدخال مواد ميتة فى مواد حية لإطالة الحياة، لأن الوعى بهذه الإطالة يسمح بتذوق الحياة دون تذوق الموت، وبذلك نلغى الثنائية بين الحياة والموت.

كما أن هذه الإطالة تسمح أيضاً بتطوير الهومو سابينس» بحيث يمكنه الارتقاء إلى نوع بشرى مغاير. ومن هنا وردت فى مقالى آية من الإصحاح الأول من سفر التكوين القائلة بأن الله خلق الإنسان على صورته، وهى تعنى، فى رأيى، أن الانسان لديه مخزون أو لديه عناصر كامنة كفيلة بأن تسمح له بأن يكون كذلك. وهذا تأويل يتجاوز المعنى الحرفى الذى ارتأته الدكتورة نوال السعداوى بل هذا تأويل أريد له أن يكون سائداً فى فهم النصوص الدينية بحيث يمكن القضاء على الإرهاب الذى يستند إلى حرفية النصوص الدينية والذى هو، من هذه الزاوية مهدد للحضارة وليس لدولة دون أخرى.

أما تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية على أساس يمين ويسار على نحو ماترى الدكتورة نوال السعداوى فقد انتهى بعد زوال الكتلة الشيوعية التى كان يقال عنها إنها على اليسار فى السياق الحضارى.

خلاصة القول إن ثمة فكرين: أحدهما تقليدى والآخر مبدع. الأول لم يعد صالحاً والثانى فى حالة ميلاد متعثر. والمطلوب من الحوار القادم المساهمة فى ولادة فكر مبدع بلا تعثر تكون الغاية منه إنقاذ الإنسان من تذوق الموت دون تذوق الحياة.

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين»(111) جواب عن سؤال: ما الحقيقة؟


 download

كتب د. مراد وهبة

عنوان هذا المقال به تعديل جزئى لمقال كان قد نشره الفيلسوف العظيم كانط فى عام 1784 فى مجلة شهرية فى برلين، وكان عنوانه «جواب عن سؤال: ما التنوير؟» وأنا هنا أكتب لفظ «الحقيقة» بديلاً عن لفظ «التنوير».والسؤال إذن: لماذا هذا البديل؟

بسبب الفارق بين هموم القرن الثامن عشر وهموم القرن الواحد والعشرين. فى القرن الثامن عشر كانت الهموم متمركزة حول تحرير العقل من كل سلطة ما عدا سلطة العقل. وقد تمثل هذا التحرير عند كانط فى الشعار الذى صكه للتنوير وهو «كن جريئاً فى إعمال عقلك». وكانت الجرأة عنده تعنى إقصاء الحراس المكلفين بإخضاع بنى البشر للسمع والطاعة سواء كان هؤلاء الحراس من المؤسسة الدينية أو من أى مؤسسة من المؤسسات التى كانت تغط فى السُبات الدوجماطيقى، أى فى النوم الذى يسببه المعتقد المطلق. وفى هذا السياق ألَف كانط أربعة كتب: انقد العقل الخالصبو «نقد العقل العملى» و«صراع الملكاتب» «الدين فى حدود العقل وحده». وفى هذا السياق أيضا صدرت مؤلفات لفلاسفة التنوير فى فرنسا. وإثر ذلك حدثت الثورة الفرنسية ثم الثورة الأمريكية.

أما فى القرن الواحد والعشرين فقد شاعت الأصوليات الدينية فى أديان كوكب الأرض، وتميزت بأن كل واحدة منها تزعم أنها تملك الحقيقة المطلقة. وحيث إن الحقيقة المطلقة واحدة فقد نشب صدام دموى بين قيادات هذه الحقائق المطلقة. إلا أن هذا الصدام الدموى لم يقف عند حد هذه القيادات بل تعداه إلى كيانات الدول وهويات الشعوب. وقد قيل عن هذا النوع من الصدام إنه ارهاب. ومن هنا صككت هذه العبارة «الارهاب أعلى مراحل الأصوليات الدينية». فإذا أردت أن تقضى على الارهاب فعليك القضاء على هذه الأصوليات. والسؤال اذن: كيف نقضى عليها؟

إذا كانت الأصولية الدينية تزعم أنها تملك الحقيقة المطلقة فالسؤال اذن: هل فى الامكان امتلاك الحقيقة المطلقة؟ وأجيب بسؤال: هل ثمة حقيقة مطلقة؟ والمفارقة هنا أن هذا السؤال مثار الآن فى الدوائر الثقافية والدينية الغربية وليس مثاراً فى أى من الدوائر العربية والاسلامية بل المثار فيها إدانة التطرف الدينى ويقصد به فى نهاية المطاف الخروج على الاجماع وعلى السمع والطاعة، أى الخروج على السلطة الدينية، ومن هنا تُجهض أى دعوة يقال عنها إنها تجديد للخطاب الدينى أو إنها ثورة دينية أو إنها ثورة فكرية. ومن هنا أيضا يشيع الارهاب ويتحكم ولا يقف عند حد الدول العربية والاسلامية إنما يتعداه إلى الدول الأوروبية والأمريكية والأفروآسيوية.

وإذا كان ذلك كذلك فالسؤال عما إذا كانت ثمة حقيقية مطلقة جدير بأن يكون مُلزما لدول وشعوب كوكب الأرض. وتطور الحضارة يشهد على عجز العقل عن امتلاك الحقيقة المطلقة. فما كان حقيقة بالأمس يصبح لا حقيقة فى الغد. إلا أن هذه الشهادة لم تسلم من الادانة والمطاردة. أمثل لما أقول بما حدث فى الماضى. فى القرن الخامس قبل الميلاد نشر بروتاغوراس كتاباً سماه «الحقيقة» وصلت إلينا منه شذرات. منها شذرة تقول أن «الانسان مقياس الأشياء جميعا»ً بمعنى أن «الأشياء هى بالنسبة إلىَ على ما تبدو لى، وهى بالنسبة إليك على ما تبدو لك وأنت انسان وأنا انسان». ورتب على هذه العبارة عبارة أخرى «لا أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين» فاتهم بالالحاد وحكم عليه بالاعدام وأحرقت كتبه ففر هارباً ومات غرقاً. وفى القرن السادس عشر أعلن كوبرنيكوس نظريته القائلة بدوران الأرض حول الشمس فى كتابه المعنون «عن حركات الأفلاك» فصودر الكتاب من قبل السلطة الدينية. وعندما أيد جليليو النظرية أعلن ديوان الفهرست وهو الديوان المكلف بمراقبة الكتب أن جليليو قد خرج على الدين لقوله بنظرية منافية للكتاب المقدس. وفى القرن التاسع عشر دعت الأصولية المسيحية إلى تجريم تدريس نظرية التطور فى المدارس والجامعات فى أمريكا.

الرعب اذن ملازم لأى نظرية علمية تتوهم السلطة الدينية أنها تهز المعتقد، أى تهز حقيقة مطلقة. وإذا كان ذلك كذلك فنحن اذن فى مأزق وهو على النحو الآتى: إما تطور العلم مع عدم الالتزام بالحقيقة المطلقة، أو الالتزام بالحقيقة المطلقة مع منع العلم من التطور. ومعنى ذلك أن الخروج من المأزق يستلزم التضحية بأى منهما. وقد تمت التضحية بالحقيقة المطلقة، بل بالحقيقة ذاتها. والسؤال اذن كيف حدث ذلك؟

بفضل شعار التنوير ذاته على نحو ما ارتآه كانط: «كن جريئاً فى إعمال عقلك». الجرأة تعنى عدم التهور، وذلك بعدم الخروج على حدود العقل. وحدود العقل محكومة بعدم قنص المطلق، ولكنها محكومة أيضاً بمحاولة قنصه دون قنصه. وإذا كان المطلق مرتبطاً بالحقيقة فالمطلوب اذن فك الارتباط بين المطلق والحقيقة. والبديل ماذا يكون؟ ارتباط العقل بالمعرفة وليس بالحقيقة. وفى هذا السياق أسست علماً جديداً اسمه «ثلاثية العلم»، أى الفلسفة والفيزياء والسياسة، الفلسفة فيه هى الوحدة الكلية للمعرفة وتتأسس على الفيزياء والسياسة. السياسة تُرد إليها العلوم الانسانية، والفيزياء ترد إليها العلوم الطبيعية. وهذه الثلاثية قابلة للتطور بعيداً عن حراس الحقيقة المطلقة الذين لا يعنيهم سوى المحافظة عليها، والمحافظة هنا ممكنة بلا رعب لأن العلم الجديد لا يعنيه سوى المعرفة فى تطورها من أجل تغيير الواقع والتقدم بلا حدود. وفى هذا السياق تدخل المعرفة كعامل رابع لعوامل الانتاج الثلاثة: المال والأرض والعمل. وكانت مقدمات هذه الثلاثية فى المؤتمر الفلسفى الدولى الثالث الذى عقدته فى القاهرة فى عام 1980.